محمود محمود الغراب
35
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الحكمة ، فأحب الجمال في كل شيء ، لأن كل شيء محكم ، وهو صنعة حكيم ، فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبه بحب اللّه ، وما أحب إلا جمال اللّه ، فجمال العالم جمال اللّه ، وصورة جماله دقيقة ، أعني جمال الأشياء ، وذلك أن الصورتين في العالم - وهما مثلا شخصان - ممن يحبهما الطبع ، وهما جاريتان أو غلامان فقد اشتركا في حقيقة الإنسانية ، فهما مثلان ، وكمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء والجوارح ، وسلامة المجموع والآحاد من العاهات والآفات ، ويتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه ، ويتصف الآخر بالقبح فيكرهه كل من رآه ، فما هو هذا الجمال الذي انطلق عليه اسم الجمال حتى أحبه كل من رآه ؟ - هذا إذا وقع حب الشخص من مجرد الرؤية ، لا بعد الصحبة والمعاشرة - هذا هو الجمال العرضي الذي تعرفه العامة ، لا جمال الحكمة ، فمنا من لم يبلغ مرتبته من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة ، وما عنده علم بالجمال إلا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض ، وهو في الشرع موضع قوله : « اعبد اللّه كأنك تراه » فجاء بكاف الصفة ، فتخيل هذا الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد فقيده به ، كما قيده بالقبلة « 1 » فأحبه لجماله ولا حرج عليه في ذلك ، فإنه أتى بأمر مشروع له ، على قدر وسعه ، ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها ، وكذا نفوس العامة يتعلق حبها بجارية أو غلام أي شيء كان ، فهم أهل الجمال العرضي ، والحب العرضي ظل زائل ، وغرض مائل ، وجدار مائل ، وهذا الجمال العرضي المقيد ، إنما هو الجمال المطلق الساري في العالم ، وفي هذا الجمال العرضي يفضل آحاد العالم بعضه على بعض ، بين جميل وأجمل ، وراعى الحق ذلك على ما أخبر به نبيه صلى اللّه عليه وسلم في قول الصحابي له : « إني أحب أن يكون نعلي حسنا وثوبي حسنا » فقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه جميل يحب الجمال » . ( ف ح 2 / 282 ، 345 - ح 3 / 449 ) والجمال المقيد يدرك بأول وهلة ، وإدراك الجمال المطلق يحتاج فيه إلى غور بعيد ، وقوة يشق بها الرائي حجاب الطبع إلى إدراك الجمال الإلهي المودع في ذلك القبح . ( ف ح 2 / 574 ) وأقول أنا جامع هذا الكتاب : إن الجمال المقيد يستند إلى حقيقة التجلي الإلهي في الصور ، وهو أي الجمال العرضي في الأكوان ، مقيد بالحصر والحد والمقدار ، والمناسبة
--> ( 1 ) يعني قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه في قبلة المصلي » .